أحمد بن محمد القسطلاني

55

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

يقتضي أن العمل له نيتان نية بها يصح في الدنيا ويحصل الاكتفاء به ، ونية بها يحصل الثواب في الآخرة إلا أن يقدر في ذلك وصف النية إن لم يحصل صح ولا ثواب ، وإن حصل صح وحصل الثواب فيزول الإشكال . وقيل : إن الثانية تفيد اشتراط تعيين المنويّ فلا يكفي في الصلاة نيتها من غير تعيين ، بل لا بدّ من تمييزها بالظهر أو العصر مثلاً ، وقيل : إنها تفسد منع الاستنابة في النية لأن الجملة الأولى لا تقتضي منعها بخلاف الثانية ، وتعقب بنحو نية وليّ الصبي في الحج فإنها صحيحة ، وكحج الإنسان عن غيره ، وكالتوكيل في تفرقة الزكاة . وأجيب بأن ذلك واقع على خلاف الأصل في المواضع . وذهب القرطبيّ إلى أن الجملة اللاحقة مؤكدة للسابقة ، فيكون ذكر الحكم بالأولى وأكده بالثانية تنبيهًا على سرّ الإخلاص وتحذيرًا من الرياء المانع من الخلاص ، وقد علم أن الطاعات في أصل صحتها وتضاعفها مرتبطة بالنيات ، وبها ترفع إلى خالق البريّات . ( فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ) جملة في موضع جرّ صفة لدنيا أي يحصلها نية وقصدًا ( أو إلى امرأة ) ولأبي ذر أو امرأة ( ينكحها ) أي يتزوّجها كما في الرواية الأخرى ، ( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) من الدنيا والمرأة والجملة جواب الشرط في قوله فمن . قال ابن دقيق العيد في قوله : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، أي فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا ، ونحو هذا في التقدير قوله : فمن كانت هجرته إلى دنيا إلى آخره ، لئلا يتحد الشرط والجزاء ، ولا بدّ من تغايرهما ، فلا يقال من أطاع الله أطاع الله ، وإنما يقال من أطاع الله نجا ، وهنا وقع الاتحاد فاحتيج إلى التقدير المذكور ، وعورض بأنه ضعيف من جهة العربية لأن الحال المبينة لا تحذف بلا دليل ، ومن ثم منع بعضهم تعلق الباء في بسم الله بحال محذوفة أي ابتدىء متبركًا قال : لأن حذف الحال لا يجوز ، وأجاب البدر الدماميني منتصرًا لابن دقيق العيد بأن ظاهر نصوصهم جواز الحذف ، قال : ويؤيده أن الحال خبر في المعنى أو صفة وكلاهما يسوغ حذفه بلا دليل فلا مانع في الحال أن تكون كذلك . اه - . وقيل : لأن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر وتارة بالمعنى ، ويفهم ذلك من السياق كقوله تعالى : { َمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } [ الفرقان : 71 ] أي مرضيًا عند الله ماحيًا للعقاب محصلاً للثواب ، فهو مؤوّل على إرادة المعهود المستقرّ في النفس كقولهم : أنت أنت أي الصديق ، وقوله : أنا أبو النجم وشعري شعري . وقال بعضهم : إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر أو الشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم كقوله : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، وإما في التحقير كقوله : فمن كانت هجرته إلى دنيا إلى آخره ، وقيل الخبر في الثاني محذوف والتقدير فهجرته إلى ما هاجر إليه من الدنيا ، والمرأة قبيحة غير صحيحة أو غير مقبولة ولا نصيب له في الآخرة . وتعقب بأنه يقتضي أن تكون الهجرة مذمومة مطلقًا وليس كذلك ، فإن من نوى بهجرته مفارقة دار الكفر وتزويج المرأة معًا لا تكون قبيحة ولا غير صحيحة بل ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة ، وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة ، فأما من طلبها مضمومة إلى الهجرة فإنه يثاب على قصده الهجرة لكن دون ثواب من أخلص . وقد اشتهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس المروية في المعجم الكبير للطبراني بإسناد رجاله ثقات من رواية الأعمش ، ولفظه عن أبي وائل عن ابن مسعود قال : كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوّجه حتى يهاجر فهاجر فتزوّجها ، قال : فكنا نسميه مهاجر أم قيس . ولم يقف ابن رجب على من خرجه فقال في شرحه الأربعين للنووي : وقد ذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم ولم نر له أصلاً بإسناد يصح . وذكر أبو الخطاب بن دحية أن اسم المرأة قيلة ، وأما الرجل فلم يسمه أحد ممن صنف في الصحابة فيما رأيته ، وهذا السبب وإن كان خاص المورد لكن العبرة بعموم اللفظ والتنصيص على المرأة من باب التنصيص على الخاص